17/06/2026
إلى متى ستظلّ مهنة التاكسي تحصد الأرواح؟
من نجا من قبضة مجرمٍ أو منحرف، قد لا ينجو من حادثٍ قاتل. ومن أفلت من الحادث، قد يقتله القهر والظلم والخذلان. لقد تحوّلت حصّة العمل في مهنة التاكسي إلى أتونٍ يبتلع أبناءه، ويصعب الخروج منه سالمًا، وكأنّ كلّ يوم عمل هو مقامرة بالحياة لا برزق العيش.
كم من أمٍّ ودّعت ابنها ولم يعد، وكم من زوجةٍ أصبحت أرملة بين عشيةٍ وضحاها، وكم من طفلٍ استيقظ على فراغٍ لن يملأه أحد، لأنّ والده خرج يبحث عن لقمة العيش فعاد إليه خبر وفاته.
وفي المقابل... يخيّم صمتٌ ثقيل. صمتٌ لا يوازيه إلاّ حجم المأساة. صمتُ سلطةٍ اعتادت سماع أنين المهنيّين حتى أصبح بالنسبة إليها ضجيجًا مألوفًا لا يستحق الالتفات. أمّا نحيب الزوجات، وبكاء الأمهات، ودموع اليتامى، فقد ظلّت تتردّد في الفراغ دون أن تجد آذانًا تُصغي أو إرادةً تُنصف.
لسنا نطلب امتيازات، ولا نسعى إلى ترفٍ أو رفاهية. نريد فقط أن نعود إلى بيوتنا أحياء. نريد أن نعمل في كنف الأمان، وأن تكون كرامة المهنيّ وحقّه في الحياة أولوية لا شعارًا يُرفع في المناسبات.
لكنّ المؤلم أنّنا لم نعد في نظر الكثيرين سوى أرقامٍ تُحصى في اللوائح، وموارد تُستنزف بالضرائب والخطايا والأداءات، أمّا حين يسقط أحدنا ضحيةً لجريمة أو حادث، فإنّ اسمه يُطوى سريعًا، وتبقى خلفه أسرةٌ مكلومة، وكرسيٌّ فارغ، وحكايةُ وجعٍ جديدة.
إنّ أرواح سائقي التاكسي ليست أقلّ قيمةً من أيّ روحٍ أخرى. وحماية من يحملون الناس إلى أعمالهم ومستشفياتهم ومدارسهم ليست منّةً، بل واجبٌ أخلاقي وقانوني. فالدول تُقاس بقدرتها على صون حياة مواطنيها، لا بعدد التقارير التي تُكتب بعد وقوع الفاجعة.
رحم الله من رحلوا وهم يطاردون لقمةً شريفة، وحفظ الله من لا يزالون كلّ صباح يودّعون أبناءهم على أمل العودة... ولا يملكون من اليقين إلا الدعاء.